تخطَّ إلى المحتوى

آراء

صناعة الفرهود

3 دقائق قراءة

شارك
صناعة الفرهود

عبد الزهرة محمد الهنداوي

{الفرهود} مصطلح عراقي بامتياز، وإن كانت أصوله اللغوية تحمل معاني ودلالات مختلفة تماماً عن المعنى الذي تبناه العراقيون. فالفرهد أو الفرهود، لغة، هو ابن الأسد، وقيل ابن الوعل، وقيل إنه اسم حي في اليمن يسمى «فرهد»، وأهله الفراهيد، ومنهم الخليل بن أحمد الفراهيدي. وقيل أيضاً إن «الفرهد» أو «الفرهود» هو الشاب أو الغلام الناعم.

 

تلك هي أبرز المعاني التي ذهب إليها أهل اللغة في تعريفهم للفرهود.

أما في العراق، فللفرهود مسارات أخرى، لا علاقة لها بمساراته اللغوية، ولا تربطه، بالطبع، أي صلة قربى بالخليل بن أحمد الفراهيدي!

شاع مصطلح “الفرهود” بمعناه العراقي الخالص في أربعينيات القرن الماضي، عندما تعرّض اليهود العراقيون إلى عمليات نهب وسلب في ظل الفراغ الأمني الذي أعقب سقوط حكومة رشيد عالي الكيلاني في حزيران عام 1941، ووقعت آنذاك أحداث دامية سقط فيها عدد كبير من اليهود العراقيين، ويقال إن مصطلح الفرهود بُني في تلك الأحداث من كلمتين هما (فرّ اليهود)، وبمرور الزمن اختُصرت الكلمتان بكلمة واحدة (فرهود)، لدرجة أن العراقيين أصبحوا يسمون أبناءهم بهذا الاسم!

وبالتأكيد، فإن فرهود 1941 لم يكن أول فرهود عراقي، بل سبقته فراهيد وأعقبته أخرى، ولعل أبرز تلك الفراهيد ما حدث في نيسان 2003، عندما سقط نظام صدام، ودخل العراق في فراغ أمني كبير، فخرج كثيرون واقتحموا مؤسسات الدولة، وفرهدوا كل شيء وقع أمامهم، ما ينفعهم منه وما لا ينفعهم.

وبين الفرهودين، فراهيد أخرى شهدها العراق في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لكن اللافت في التاريخ الفرهودي العراقي أن الفرهود تحوّل، مع مرور الوقت، من فعل فوضوي عابر إلى فرهود مقنّن ومتقن، حتى إنه أصبح لدى البعض ثقافة عامة، منطلقين من مبدأ موروث (الما يحوف مو زلمة!)

والأكثر إثارة في المشهد أن المفرهدين والمفرهدات، بعد أن يجمعوا غلتهم، يرفعون لافتات كبيرة مكتوباً عليها “هذا من فضل ربي”!

حتى إنك، عندما ترى أحدهم، تُبهرك علامات التقوى والورع، وتكاد تبكي من شدة تقواه! وليس هذا وحسب، بل تجده، على الدوام، أعلى الناس صوتاً في شتم المفرهدين والتنديد بالفرهدة، حتى إذا ما كُشف أمره، اختفى صوته، واختفت معه كل تلك المواعظ.

واتضح ذلك جلياً بعد أحداث “صولة الفجر”، التي أسفرت عن سقوط مفرهدين كثر، كانوا يملؤون الدنيا ويشغلون الناس بضجيجهم، وبأصواتهم العالية في ذمّ الفرهدة ومحاربة الفساد.

ولم تكن الصورة عادية ونحن نتابع تفاصيل تلك الأحداث، التي كشفت عن ضيق أفق بعض المفرهدين، عندما لجؤوا إلى إخفاء مبالغ مالية هائلة وسبائك ذهبية في الجدران والمزارع وقناني الماء، وكأنهم كانوا يستعدون ليوم القيامة لا ليوم الحساب.

ولست أدري لماذا يجمعون كل هذه الأموال، ثم يحتفظون بها في مثل هذه الأماكن؟ هل كان الخوف من الدولة أكبر من الخوف على أموالهم؟ أم أنهم كانوا يعتقدون أن المال، كلما ابتعد عن المصارف والخزائن، أصبح أكثر أماناً؟

إنها مفارقة الفرهود العراقي.. يجمعون المال حتى التخمة، ثم يخبئونه حتى ينسوا مكانه، ويعيشون وهم يخشون فقدانه، وكأنهم لا يعرفون أن المال الحرام لا يمنح صاحبه حياةً رغيدة، بل يضاعف خوفه من يوم انكشافه.. إنهم يجوعون عندما يشبعون.

شارك